ابن قيم الجوزية
56
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
قوتي وقلة حيلتي ) الحديث فالشكوى إليه سبحانه لا تنافي الصبر الجزيل بل اعراض عبده عن الشكوى إلى غيره جملة وجعل الشكوى إليه وحده هو الصبر والله تعالى يبتلي عبده ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه وقد ذم سبحانه من لم يتضرع إليه ولم يستكن له وقت البلاء كما قال تعالى : ( ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ) ( المؤمنون : 76 ) والعبد أضعف من أن يتجلد على ربه والرب تعالى لم يرد من عبده أن يتجلد عليه بل أراد منه أن يستكين له ويتضرع إليه وهو تعالى يمقت من يشكوه إلى خلقه ويحب من يشكو ما به إليه وقيل لبعضهم : كيف تشتكي إليه ما ليس يخفى عليه فقال : ربي يرضى ذل العبد إليه . والمقصود : أنه سبحانه أمر أن يصبر صبر أولي العزم الذين صبروا لحكمه اختياراً وهذا أكمل الصبر ولهذا دارت قصة الشفاعة يوم القيامة على هؤلاء حتى ردوها إلى أفضلهم وخيرهم وأصبرهم لحكم الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . فإن قيل : أي أنواع الصبر الثلاثة أكمل : الصبر على المأمور أم الصبر عن المحظور أم الصبر على المقدور ؟ . قيل : الصبر المتعلق بالتكليف وهو الأمر والنهي أفضل من الصبر على مجرد القدر فإن هذا الصبر يأتي به البر والفاجر والمؤمن والكافر فلا بد لكل واحد من الصبر على القدر اختياراً أو اضطراراً وأما الصبر على الأوامر والنواهي فصبر أتباع الرسل وأعظمهم اتباعا أصبرهم في ذلك وكل صبر في محله وموضعه أفضل : فالصبر عن الحرام في محله أفضل وعلى الطاعة في محلها أفضل . فإن قيل : أي الصبرين أحب إلى الله صبر من يصبر على أوامره أم صبر من يصبر عن محارمه ؟ .